تربية الاطفال

كنت أراه دائماً هو من يصطحب ابنه الصغير لتدريب السباحة ، مع ابنتي ذات السبعة أعوام في مجموعتها ، حاملاً حقيبة فيها أغراض الطفل ، وأغراض الرضيعة التي يجرها أمامه في عربة الاطفال ، فهي بالكاد تمشي ، عمرها ربما يتجاوز العام بشهر .

ولمدة ثلاثة شهور تقريباً لم تأتِ والدة الطفل سوى مرة واحدة لمدة 10 دقائق لتشاهده وهو يسبح ، ثم تصفق له قائلة : "أحسنت يا صغيري"، وتقبله في الهواء لتنصرف مسرعة .

لم يتجاوز حديثنا في البداية السلام والتحية ، أو التعليق على أداء المدرب ، أو استجابة الاطفال للتعليمات . إلاّ أنني لم أستطع التغلب على فضولي لمعرفة لمَ لا تأتي الأم مع ابنها أحياناً ، كما يفعل معظم الآباء والأمهات هنا؟ وحين أردت أن أفتح المجال لذلك ، وتجرأت لأسأله مرة عن عمله ، إذا به يرد عليّ بمنتهى البساطة أنه لا يعمل ، وأن زوجته هي التي تعمل ، وهو يرعى الاطفال .

سمعت كثيراً عن هذا الأمر هنا في كندا ، إلا أني لم ألتقِ بأحد فعلياً يقوم به ، إذاً لم يدهشني الأمر ، ولكن ما أدهشني هو البساطة التي رد بها على سؤالي ، ولكم أن تتخيلوا ردة فعلي على هذا كزوجة وأم شرقية عربية .

بالطبع استنكرت في داخلي الأمر ، وكدت أسير بأفكاري للحكم عليه كعادتنا نحن العرب كالتقليل من رجولته ، وانعدام شخصيته ، وتحكم زوجته الغربية فيه . إلا أنني لم أسمح لنفسي بالجري وراء أفكاري وسألته في لحظتها : "ولمَ لا تعمل؟!".

وكان رده بالبساطة نفسها ، أن هذا قراره هو وزوجته ، فهو مدرس ، وهي طبيبة جرّاحة في تخصص نادر . وحين قرّرا تكوين أسرة وإنجاب الاطفال تناقشا سوية ، ليجدا أنسب حل .

اللعب مع الأطفال

فهو لا يريد أن تربي أطفاله مربيات ، أو يضعهم في دور الحضانة في سن صغير ، ويفضّل أن يقضي أطفاله سنواتهم الأولى في البيت تحت رعايته .

كما أن مهنة زوجته تتأثر بانقطاعها عنها عملياً ومادياً ، أما هو لا ، ويمكنه الرجوع إلى عمله في أي وقت .

إلى جانب أن الدخل المادي لزوجته أعلى من دخله ، وهو ما يؤمّن لهما ولأطفالهما استقراراً أفضل .

لذا كان من العدل أن يبقى هو مع الاطفال حتى بلوغ الصغيرة سن المدرسة ، ثم يقرر هو إذا أراد أن يعود إلى عمله أو لا .

حقيقة لم أعرف بم أعلق ، إلا أني رددت عليه مجاملة؛ أن هذا قرار صعب ولطيف منه ، فرد قائلاً : "أنا سعيد بهذا القرار ، فأنا أرعى أطفالي بنفسي وأقضي معهم أسعد الأوقات ، كما أن زوجتي سعيدة ومتفوقة في عملها وتحاول جهدها ، فكلنا سعداء".

وحين جاء دوره ليسألني ، رددت عليك مرتبكة أنني أيضاً لا أعمل ، فأنا ربة بيت .

ضحك قائلاً : "هذا أفضل ، إنك إن لم تكوني بحاجة للعمل ، لا تعملي، تكفينا رعاية البيت والأطفال".

وخرجت من هذا الحوار بسؤال محيّر : ماذا لو كانت هذه الأسرة في بلد عربي؟!

الكاتب : هبة يعقوب

التعليقات : 0

اضف تعليق