عن طموحي الذي أوردني غرف العيادات والتحاليل

لطالما تصفحت كتب التراث العربي التي تزخر بالكثير من الأبيات الشعرية التي تشير إلى العزيمة والطموح بأنها صفات النجباء والقادة ، ولكن لم يخبرني أحدهم أو ربما أني لم أفهم أن الطموح العالي قد يكون قاتلاً في بعض الأحيان ، يمكنك فهم ما أعنيه بمتابعة القراءة .

يقول المتنبي : ذو العقلِ يَشْقَى في النَّعيمِ بِعقلِهِ. و أخو الجَهَالةِ في الشَّقاوَةِ يَنعَمُ، تذكرت بيت الشعر هذا وأنا أخرج من عيادة الطبيبة محملة بوصفة الأدوية ، ونتيجة تحاليل مقلقة نوعاً ما ، اظطراب في الهرمونات يستدعي المعالجة حتى لا يتفاقم الأمر .

أنا لا أعتبر ما وصلت إليه نتيجة بل فاتورة علي أن أدفعها نتيجة صرعة الطموح والعمل التي أعاني منها، هل يبدو كلامي غريباً؟ ربما ، لكنني أعتذر في البداية ، فبعض الكلمات تخرج مبعثرة من أفواه أصحابها حتى لا تصف الحالة بدقة ، لكنني فعلاً إنسانة لا أعرف التوقف لأخذ قسط من الراحة أو تجاهل المهام أو التعامل ببرود بدون أن يكون هنالك طارئ صحي دفعني دفعاً للراحة .

عندما رأيت نتيجة التحاليل ، شعرت في لحظتها أنني أريد التخلي عن طموحاتي ، وأن أتوسد فراشي وأنام بدون اللهاث المستمر الذي أخوضه يومياً ، وأن علي أن أكسب صحتي وراحة بالي بدل صرف راتبي على فاتورة الأدوية نتيجة سوء إدارتي .

قلبي الطيب ومشاعري ، علي أن أوقف عملها التطوعي قليلاً ، فلا أحد يهتم بأمرك إن لم تهتم بنفسك أنت ، دائماً وأبداً أعيد على نفسي هذه الأسطوانة ، ولكنني مع تحسن الوضع قليلاً أعود إلى طبعي الطموح في الحصول على أفضل الوظائف ، وبذل الجهد في العمل والعطاء للجميع بلا مقابل!

أدرك أن الحياة تحتاج شيئاً من الأنانية ، لكنني صدقاً لا أعرف أن أكون كذلك ، عندما أتأمل فاتورة الأدوية وما وصلت إليه أعيد على نفسي السؤال : متى آخر مرة وقفت فيها مع نفسي متجاهلة كل شيء ، الحقيقة أنني لا أتذكر ، آخر مرة التقيت بصديقاتي قبل سنة ، وما زلن يدعينني لتكرار الزيارة ، وأنا منشغلة لا وقت لدي ، جدتي المقعدة منذ أكثر من شهر لم أزرها ، وهي التي كانت تتفقدنا أسبوعياً ، لم كل ذلك؟ هل من أجل المال؟ إن كان كذلك فها أنذا أصرفه في مصروفات علاجية ، وإن كان من أجل العمل والنجاح فالعمل لا ينتهي ، والنجاح أسوأ ما يكون بهذه الصورة .

لكنني الآن أخشى أن أصل إلى النتيجة التي وصل إليها صديقنا الراحل براء عندما كتب مقاله بماء الدمع عن عملي الذي دمّر حياتي ، والذي عثرت عليه صدفة بينما كنت أكتب وجعي الخاص هنا .

ليتك يا براء أخبرتنا كيف ننفصل عن أعمالنا قليلاً لاستعادة حياتنا ، ليتنا نفهم طبيعة الحياة وأن اللهاث المستمر خلف العمل ونجاحاته الوهمية لا ينبغي أن يكون على حساب صحتنا وأسرتنا وصداقاتنا الجميلة ، ما زلت في كورس علاج منذ 3 أشهر ولم ينتهِ بعد ، أعتقد أنني كنت سأوفر قيمة الأدوية والتحاليل لو جلست مع نفسي مرة لأجل لا شيء ، فقط لأجلس معها ، لأقضي معها ساعة ترفيه ، أو جلسة عائلية .

الكاتب : ياسمينة الحربى

التعليقات : 0

اضف تعليق