إيمان عبد العاطي

المعاناة كلمة نقرأها ونسمعها كثيراً بالذات في هذا المحيط الجغرافي المكلوم “الوطن العربي”، ولكن عندما تقترب النار من أصابعنا وأطرافنا نشعر بها أكثر بكثير من مجرد تلك الصور والمعاني المعلقة ضمنياً في أذهاننا.

التعاطف مع صاحب المعاناة أو المشاركة الوجدانية هو أصعب ما في الأمر، حيث أنّك تستطيع أن تكون هو وأن تحترق معه ليخرج من شرنقة المعاناة بأقل الخسائر.

ولكن عندما تحدث هذه المشاركة الإنسانية من بعيدٍ مجهول، لا يُرتَقب منه شيء ولا يُرجَى منه إلاً ولا ذمة ولا تُوجد أي مشتركات في اللسان أو العرق، فقط كل ما في الأمر اختلاطات نفس تلك الأمشاج البعيدة الغابرة، هنا نكون أمام وقفه تستحق العرفان ومراجعة الذات.

مومباي عاصمة الإنسانية

كلنا نعرف “مومباي” تلك المدينة اللتي يقصدها التجار العرب من المحيط الى الخليج لـ اقتناء روائح العود – المقننة بقوانين بلد تخشى على مصادرها من شدة الاستهلاك والشره العربي – بدهنها وبخورها وعطورها.

“مومباي” العاصمة الاقتصادية للهند المكتظة والمزدحمة بالناس، والملوثات بشتى أنواعها والتي لا يفتأ أن يغادرها تجار العرب ليسارعوا بغسل أقدامهم من أوساخها، وينظفوا أبدانهم من ازدحامها ليشرقوا مرة أخرى ببدلاتهم الأنيقة وأثوابهم الناصعة.

إذا كنت أنت أيضاً عزيزي القارئ تحمل نفس النظرة على مدينة “مومباي” الهندية فأحب أن أقول لنفسي – أولاً – ولك إنّه وللأسف قد خذلت مومباي توقعاتك وتوقعاتنا جميعاً هذة المرة، وفاضت طهراً ونقاء عندما احتوت “إيمان أحمد عبد العاطي”.

“إيمان” رغم وجودها في عالم عربي يفتخر بالسيف والدم منذ الأزل تحت أي مسمى يمكن لك أن تتخيله “فتوحات، انتصارات، ثورات… إلخ” إلاّ أنّها لم تكن يوماً جزء من كل هذه المسميات المكررة، والملوّكة بلا ملل، ولم تكن بالتاكيد بوقاً إعلامياً أو محسوبة لأي تيار سياسي أو تنتمي إلى أي جهة مؤدلجة، وكيف لها أن تكون وهي حبيسة المرض منذ أكثر من 25 عام.

مرض إيمان عبد العاطي… مرض وطن

“إيمان” هي الإنسان، والإنسان فقط، المجرد الذي يجب أن تنتصر لمعاناته بعيداً عن كونه معي أو ضدي، من يكون! وإلى أي مساحة فكرية أو فيزيائية ينتمي؛ لأنّ إيمان لم تستطع للأسف حتى أن تنتمي.

مرض إيمان (من وجهة نظري) وضع خاص يفضح حال أوطان عربية غدت فيها المساعدات الإنسانية غير إنسانية، وأصبحت المعونات والمشاركات الوجدانية مؤدلجة، ومصنفة وموزعة طبقاً للانتماءات، وللإرث الذي وجدنا عليه آبائنا وكُبَرَاءَنَا. في أوطان ستجد من يتبني قضيتك إذًا، كنت فقط مُستند على حزب سياسي ما، أو متكئ إلى جماعة فكرية تمتلك صوتاً إعلامياً، ودعماً مادياً ومستعدة أن تكون معك وتُصَعْد قضيتك تحت أي ظرف لأنّك تُكَوّن لها المثل.

لكن “إيمان” (البعيدة عن كل هذا) قعيدة المرض التي تبلغ من العمر 36 عاماً بفارق 25 سنة من صراع المرض ليشير هذا بوضوح أنّها لم تعش إلاّ بضع سنين في وضع نصف طبيعي، والباقي كان مجرد حياة مع وقف التنفيذ بلا أي جريمة ارتكبتها أو جناية اقترفتها، كل ما في الأمر خلل هرموني في الغدد أدى إلى زيادة وزنها بشكل غير اعتيادي في وضع صحي نادر حيث تحبس الأوعية الليمفاوية السوائل والماء داخل جسدها فيؤدي هذا بالتالي إلى زيادة الوزن، هذا الوضع الصحي القدري الخارج عن إرادتها كان أدعي وأوجب أن يُشعل قلوب الناس، ويعزز التعاطف الفطري، وأن يحرك الجميع لعمل شيء ما، للأسف كل هذا لم يحدث.

في محاولة يائسة من أختها الوحيدة أرسلت بريداً إلكترونياً لدكتور جراح هندي متخصص في علاج أمراض البدانة تشرح فيه حالة أختها الميئوسة وترجو حلاً.

الدكتور الهندي، والإنسانية الهندية

هنا فقط تجلت قصة تعاطف إنسانية حقيقة فرضت علينا، وألحّت على واجبنا الأخلاقي أن نسلط عليها الضوء. فهذا من القليل الذي يظل أفضل من الصمت والتجاهل، ولربما يعيد إحياء القيم الإنسانية في أنفسنا التي تكاد تندثر في عالم عربي يسوده الدمار منتجاً ومولداً كل يوم ضحايا جدد.

إنّه الدكتور “Muffazal Lakdawala” الذي وافق على علاج إيمان بلا أي مقابل بعد الصدمة التي شعر بها فور معرفته بحالة إيمان الصحية والذي زاده إصراراً على المساعدة.

ذلك الدكتور الهندي الذي ينتمي إلى بلد كبير منفجر سكانياً، لا يملك نفط أو غاز طبيعي، بل وعلاوة على هذا وذاك مصنف من ضمن الدول النامية. استطاع الدكتور أن يشعل حملة شعبية للدعم والتبرع لفتاة لا تنتمي إلى هذا البلد.

أثمرت جهوده سريعاً وأصبحت “إيمان” حديث الشارع الهندي، والصحافة الهندية في محاولة لجمع المبلغ المحدد الذي يقدم الدعم اللوجستي لمراحل علاج إيمان، وليس هذا فقط ولكنها جذبت الرأي العام أيضاً، والمشاهير عندما سارعت السيدة “بينكي روشان” والدة الممثل المشهور “هريثيك روشان”، بعد أن أرعبتها فكرة أن يقيد إنسان إلى سرير أو “مرتبة” كل هذا الزمن بالتبرع بمبلغ مليون روبية – ما يعادل 15 ألف دولار – لتمحو من أذهاننا تلك الصورة النمطية البليدة عن بلاد الهند، والتي صورت لنا أنهم يعبدون المال ولا يعرفون شيء غيره.

في الحقيقة إنّ الاهتمام الهندي الملفت بكل أشكاله لحالة “إيمان” يجعل منا نحن العرب – خاصة المقيمين في الهند – زرافات تدفن رأسها بين التراب.
“إيمان” تكشف عورات المجتمع العربي المتورم بالصراعات الفارغة والغوغائيات، والبطولات المزيفة حتى أولئك الذين انتقدوا بحدة وشراسة التخاذل الذي قوبلت به إيمان على مواقع التواصل الاجتماعي، كان أغلب هذا الهجوم نكاية بأطراف أخرى فقط والغرض كان (بشكل واضح) لومها بأنّها لم تقم بالدور المنوط بها. رغم أنّ الواقع لا يُبرأ أحداً منا فكلنا متخاذلون، وأنفاسنا قصيرة جداً لا تستطيع تحمل هذا التضامن الطويل المدى، فحالة “إيمان” لا تتطلب حالة تضامن انفعالية مؤقتة وإنما تضامن حقيقي فعلي تُجنى ثماره ولو بعد حين.

أنت هندي؟

نعود إلى الدكتور العظيم الذي تبنى هذه القضية، وحمل على عاتقه هذا التحدي الكبير بإنقاذ روح بشرية فوفقاً لجريدة الـ “واشنطن بوست” التي تروي عن لسان الدكتور كيف أنّه اهتم بتفاصيل حالة “إيمان”، وتساؤله كيف سيتم نقل المريضة من مدينتها إلى الهند، بل كيف سيتم إخراجها من غرفتها تحديداً فيتخيل الدكتور بإحساسه العالي، ويقول لابد وأنهم هدموا الجدار ليس هذا فحسب، ولكن ماذا عن الإجرائات الروتينية لاستخراج الفيزا الطبية؟ كيف ستتمكن “إيمان” من الذهاب إلى السفارة أو القنصلية لأخذ البصمات وإجراء المعاملات الرتيبة، فيدفعه تساؤله هذا إلى مناشدة وزير الخارجية على مواقع التواصل الاجتماعي ليتم النظر بشكل خاص وفوري لهذا الوضع اللاإنساني.

في كثير من دول العالم العربي التي تستقبل أعداداً لا بأس بها من العمالة الأجنبية ارتبطت في ثقافتها كلمة “هندي” بنوع من التعبير أقرب ما يكون إلى الامتهان والدونية، وقد يتم تناقل سؤال “أنت هندي!” بنبره صوتية ممزوجه بالتلميحات يشار بها إلى قلة الفهم أحياناً، أو إلى البساطة أحياناً أخرى، وغيرها الكثير من المقاصد التي تقبع في بطن القائل.

لا أظن الآن أنّ السؤال سيظل يحمل نفس المعاني المغلوطة؛ فلم يعد الـ “هندي” كما تظنه أنت عزيزي القارئ العربي.

لأنّ الـ “هندي” وقف إلى جانب الإنسانية التي لا تحمل طابع دين معين، ولا وطن، ولا أي حدود جغرافية.
إيمان حالة ستذكرها الأيام، وتشهد فيها على عجزنا طبياً وإنسانياً في حين أنّ الـ “هندي” تفوق علينا في كلا الجانبين.
بعد كل هذا هل ستستمر عزيزي القارئ بالاستهجان متسائلاً “أنت هندي؟”

الكاتب : سارة يحيى

التعليقات : 0

اضف تعليق